محمد ابراهيم شادي

تمهيد 8

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

اللغة التي نزل بها القرآن ، فهو لغيرهم أشد في الإعجاز ، بحيث لو افترضنا أن رجلا غير عربي تعلم العربية ، وتمكن منها ، وعاشر العرب ، ونظم شعرا بالعربية ، وأصبح من أدباء هذه اللغة فلن يستطيع أن يأتي بمثل سورة الكوثر ، وذلك بقياس حاله على أحوال العرب الخلص الذين حاولوا أن يأتوا بمثل القرآن فأتوا بكلام مضحك . ومن حقنا أن نسأل كما سأل السابقون عن الجهات التي ميزت أسلوب القرآن حتى صار معجزا ، ما ذا في القرآن لا يوجد في كلام العرب ؟ كان القدماء يشعرون بتميز أسلوب القرآن شعورا قويا ، وكان هذا الإحساس يرضيهم ، حتى إن بعضهم كان يراه في البدايات كافيا ، فلا يرى دافعا قويا للبحث عن الجهات التي يتميز بها أسلوب القرآن لكن العلماء الذين يؤرقهم البحث عن الحقيقة - ولا سيما بعد الضعف الذي أصاب السليقة العربية ، فنال من التذوق والإحساس بالفروق بين الأساليب - اندفعوا يفتشون عن أسباب الإعجاز ، بيد أن هيبة القرآن كانت تمنعهم من الوصول إلى كل ما يريدون ، فيكتفون بالأقوال المجملة . ولعل أفضل قول يلخص أسباب الإعجاز البياني هو قول الخطابي : " إنما صار القرآن معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني " « 1 » ، لأنك لا تجد وجها من وجوه الإعجاز البياني إلا وهو يعود إلى شيء مما تناولته هذه العبارة ، وقد حاول الخطابي تفصيلها على نحو يقنعه ويرضيه لكنه ربما لا يقنعنا إقناعا كاملا في عصر يتحرى النتائج الكلية ويتطلب النظريات ، ولقد سبق عبد القاهر عصره في التنبيه إلى نحو هذا المنهج الذي يراعي استقصاء الظواهر . وبمراجعة كلام العلماء الذين كتبوا في الإعجاز يتبين أن ما يدخل عندهم في صميم الإعجاز قليل بالقياس إلى جملة كلامهم ، ومثلهم في ذلك كمن يغوص كثيرا ويتعب كثيرا ثم لا يخرج من اللؤلؤ إلا بالقليل . والمشكلة إنما تكمن في منهج البحث عن الإعجاز فإذا استقام المنهج وصحت المقدمات جاءت النتائج على حسب هذا .

--> ( 1 ) ثلاث رسائل 27 من بيان إعجاز القرآن للخطابي .